ما أروع الرافعي وهو يتحدث عن الصديق

كانت نفسه العالية كالنجمة وهبت قوة النزول إلى الأرض . وكان حبيبا لو انقسمت روحي في جسمين لكان جسمها الثاني، كان دائما كالذي يشعر أنه ميت، وتارك ميراث مودته، فلا أعرف أني رأيت منه إلا أحسن ما فيه، وكأنما كان يضاعف حياتي بحياته ويجعلني معه إنسانين .

وكان له دين غض كعهد الدين بأيام الوحي، لا تزال تحته رقة قلب المؤمن، وفوقه رقة جناح الملك، يخالط نوره القلوب، وكان حييا صريح الحق، ترى صدق نيته في وجهه كما يريك الحق صدق فكره في لسانه، ساميا في مروءته ليس لها أرض تسفل عندها، وإنما هي إلى وجه الله، فلا تزال ترتفع . ودودا لا يعرف البغض، محبا لا يتسع للحقد، ألوفا لا يسر الموجدة على أحد .

وكان رحيب الصدر كأن الله زاد فيه سعة الأعوام التي سينتقصها من حياته، ففي قلبه قوة عمرين وكان طيب النفس، فكأن الله لم يمد في عمره طويلاً لأنه نفى الأيام الهالكة التي يكون فيها الإنسان معنى من معاني الموت .

آه لو عرف الحق أحد لما عرف كيف ينطق بكلمة تسيء، ولو عرف الحب أحد لما عرف كيف يسكت عن كلمة تسر، ولن يكون الصديق صديقاً إلا إذا عرف لك الحق، وعرفت له الحب .

لا أريد بالصديق ذلك القرين الذي يصحبك كما يصحبك الشيطان لا خير لك إلا في معاداته ومخالفته، ولا ذلك الرفيق الذي يتصنع لك ويماسحك متى كان فيك طعم العسل ؛ لأن فيه روح ذبابة، ولا ذلك الحبيب الذي يكون لك في هم الحب كأنه وطن جديد، وقد نفيت نفى المبعدين، ولا ذلك الصاحب الذي يكون لك كجلدة الوجه تحمر وتصفر، لأن الصحة والمرض يتعاقبان عليها . فكل أولئك الأصدقاء لا تراهم أبدا إلا على أطراف مصائبك، كأنهم هناك حدود تعرف بها من أين تبتدئ المصيبة لا من أين تبتدئ الصداقة .

ولكن الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك ليس فيك، فسائرك يحن إليك، فإذا أصبح من ماضيك بعد أن كان من حاضرك، وإذا تحول عنك ليصلك بغير المحدود كما وصلك بالمحدود، وإذا مات .. يومئذ لا تقول : إنَّه مات لك ميت، بل مات فيك ميت، ذلك هو الصديق .

تعليقات

  1. 22 أكتوبر 2010 في 10:19 م

    والله زمان يا عمرو وحشتنا ووحشنا الجو اللي كنت عامله ، وفقك الله حيث ما كنت

  2. mohamed قال,

    2 نوفمبر 2010 في 1:49 ص

    ياسلام يا عمور دا كلام جامد بجد بس هل حقيقي بجد في ظل المصالح والفلوس والصراعات علي كل شيء في الحياه اعتقد هذا موجود بوجود الايمان كلما زاد ايمان الانسان بالله كلما زاد احتماليه الوصول الي المعني الحقيقي من الصداقه والاخوه والحب وانكار الذات


اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.